أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
200
عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ
قوله : فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا « 1 » هو ما كان سببه عن تعمّد منهم . قوله تعالى : وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ « 2 » قال ابن عباس : أي لم يقل : إن شاء اللّه تعالى أفعله إذا ذكرته . ونقل عن عكرمة عبارة اللّه أعلم بصحّتها . ولا ينبغي أن تصحّ . وأجاز ابن عباس الاستثناء بعد ذكره لظاهر هذه الآية على ما تأوّلها . وقد حقّقنا هذا في « الأحكام » . قوله : وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا « 3 » أي شيئا تافها لا يؤبه له ، ممّا حقّه أن ينسى ويترك قلة مبالاة به . والنّسي فعيل بمعنى / مفعول كالنّقض والنكث . وقوله : مَنْسِيًّا مبالغة فيه ؛ لم يكفها أن تتمنّى أن تكون شيئا تافها حتى بالغت فيه . يوصف بذلك لأنّ النسي يقال لما يقلّ الاعتداد به وإن لم ينس . وقرىء « نسيا » بالفتح وهو مصدر موضوع موضع المفعول « 4 » . وكانت العرب إذا ترحّلت عن منزل تقول : احفظوا أنساءكم ، أي ما حقّه أن ينسى لقلّة الاعتداد به كالوتد والشّظاظ « 5 » ونحوهما . قوله : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها « 6 » قرىء بضمّ النون الأولى وسكون الثانية من غير همز ، والمراد : نأمر بنسيانها أو ننسها للناس . وقد جرى هذا [ حين ] « 7 » أصبح القوم ، وقد أذهب اللّه من قلوبهم حفظ بعض القرآن ، الذي أراد نسخه لفظا ، كما هو مشهور في التفسير والأخبار . قال الراغب « 8 » : فإنساؤها حذف ذكرها من القلوب بقوة إلهية . قال غيره : أي نأمركم بتركها . يقال : أنسيته الشيء : أمرته بتركه . قوله : وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا « 9 » أي ناسيا ؛
--> ( 1 ) 14 / السجدة : 32 . ( 2 ) 24 / الكهف : 18 . ( 3 ) 23 / مريم : 19 . ( 4 ) ذكر الفراء أن أصحاب عبد اللّه قرؤوا « نسيا » بفتح النون - وكذلك قرأها حفص وحمزة - وسائر العرب تكسر النون . وهما لغتان ( معاني القرآن : 2 / 164 ) . ( 5 ) الشظاظ : خشبة عقفاء تدخل في عروتي الجوالق . ( 6 ) 106 / البقرة : 2 . ( 7 ) إضافة مناسبة للسياق . ( 8 ) المفردات : 491 . ( 9 ) 64 / مريم : 19 .